الشيخ محمد آصف المحسني

176

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية

فإنّ ذوات الأشياء الخارجية مقدورة بأنفسها كصورها ، فلا بدّ من تحقّق نفس هذه الموجودات أزلا وإلّا لم يتحقّق القدرة . وأما ما أجاب عنه الحكيم الشيرازي في أسفاره بأنّ القدرة وإن سلم جريان الدليل فيها ، وأنّ حكمها حكم العلم في اقتضاء الطرفين ، لكن لا نسلم تخلف الحكم في القدرة ؛ إذ كما في العلم لا يلزم وجود المعلوم بعينه الخارجي بل يكفي وجوده بصورته ، فكذلك لا يلزم وجود المقدور بعينه الخارجي بل وجوده بصورته ، وذلك الوجود الصوري كما أنّه معلوم له كذلك مقدور صادر عنه ، فواضح البطلان لما صرح المورد من أن المقدور بوجوده الخارجي مقدور ، فحضور صورته لا يكفي لمقدورية ذاته الخارجية ، وهذا واضح جدا . لكن الانصاف أنّ هذا النقض غير متين ، فإنّ القدرة - على ما عرفت منا تفسيرها - لا تقضى وجود المقدور ولو بصورته كما نشاهد ذلك في أنفسنا ، فإنّا قادرون على أمور غير موجودة خارجا من غير أن تقوم قدرتنا بصور تلك الأمور . وأما العلم فلا بد له من شيء يتعلّق به سواء كان عينا خارجيا أو صورة ذهنية ، فإنّه يستلزم الانكشاف عن العالم ، والمعدوم الصرف لا انكشاف له . وأمّا ما أورده عليه في الأسفار فهو لا يرجع إلى أساس صحيح فلاحظ ولا نطول المقام بذكره ورده . هذا ما يرجع إلى الدليل ، وأما لدعوى نفسها فهي مزيفة من وجوه : الأول : ما أفاده المحقق الطوسي قدّس سرّه في محكي شرح الإشارات من أن ارتسام الصور الممكنة في ذاته تعالى يوجب تكثّره وهذا باطل . وأمّا ما أجاب عنه المحقق الشيرازي في أسفاره والمحقّق اللاهجي في شوارقه و « گوهر مراد » ، وصرح الشيخ ابن سينا نفسه ، بأن حصول الكثرة بالترتيب السببي والمسببي ، فلا ينثلم بها الوحدة ، كما في الفعل حيث إنّه تعالى يوجد الكثير بالترتيب مع أنه لا يصدر الكثير عن الواحد ، فهو عجيب من هؤلاء الباحثين ، فإن الترتيب وإن كان يمنع الكثرة في مسألة الإيجاد ولا يصادم القاعدة القائلة بعدم صدور الكثير عن الواحد ، إلّا أنه لا يرتبط بالمقام ؛ إذ بعد الالتزام بارتسام الصور المطابقة للأشياء الخارجية في ذاته تعالى لا بدّ من فرض تكثر الذات حسب تكثر الصور ، سواء كان حصولها بالترتيب أو بغير الترتيب ، وهذا قريب من البداهة ، ولما كان تجزّي الباري وتركّبه محالا كان هذا القول أيضا محالا . الثاني : إنه يلزم كونه تعالى موصوفا بصفات زائدة على ذاته غير إضافية ولا سلبية ، مع أنه باطل باتّفاق من الإمامية والفلاسفة ، فإنّهم يعتقدون العينية . وهذا أيضا ممّا أورده المحقّق الطوسي قدّس سرّه على هذا المدعى ، وأنت بعد ما عرفت بطلان العلم الإجمالي المزعوم المتقدّم ، تعلم